الآلوسي
152
تفسير الآلوسي
الآخر ، وفيه تغليب الخطاب وضمير العقلاء ، وجوز أن يكون الخطاب للعبدة لا غير ، والمراد بكفر بعضهم ببعض التناكر أي ثم يوم القيامة يظهر التناكر والتلاعن بينكم أيتها العبدة للأوثان . * ( وَمَأْوَياكُمُ النَّارُ ) * أي هي منزلكم الذي تأوون إليه ولا ترجعون منه أبداً . * ( وَمَا لَكُمْ منْ نَاصرينَ ) * يخلصونكم منها كما خلصني ربي من النار التي ألقيتموني فيها ، وجمع الناصرين لوقوعه في مقابلة الجمع ، أي ما لأحد منكم من ناصر أصلاً . * ( فََامَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّىإِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * * ( فَأَمَنَ لَهُ لُوطٌ ) * أي صدقه عليه السلام في جميع مقالاته أو بنبوته حين ادعاها لا أنه صدقه فيما دعا إليه من التوحيد ولم يكن كذلك قبل ، فإنه عليه السلام كان متنزهاً عن الكفر ، وما قيل : إنه آمن له عليه السلام حين رأى النار لم تحرقه ضعيف رواية وكذا دراية ، لأنه بظاهره يقتضي عدم إيمانه قبل وهو غير لائق به عليه السلام ، وحمله بعضهم على نحو ما ذكرنا أو على أن يرادب الإيمان الرتبة العالية منها وهي التي لا يرتقي إليها إلا الأفراد ، ولوط على ما في " جامع الأصول " ابن أخيه هاران بن تارح ، وذكر بعضهم أنه ابن أخته بالتاء الفوقية * ( وَقَالَ ) * إبراهيم عليه السلام : كما ذهب إليه قتادة . والنخعي ، وقيل : الضمير للوط عليه السلام وليس بشيء لما يلزم عليه من التفكيك ، والجملة استئناف بياني كأنهق يل : فماذا كان منه عليه السلام ؟ فقيل : قال * ( إنِّي مُهَاجرٌ ) * أي من قومي * ( إلَى رَبِّي ) * أي إلى الجهة التي أمرني ربي بالهجرة إليها ، وقيل : إلى حيث لا أمنع عبادة ربي ، وقيل : المعنى مهاجر من خالفني من قومي متقرباً إلى ربي * ( إنَّهُ ) * عز وجل * ( هُوَ الْعَزيزُ ) * الغالب على أمره فيمنعني من أعدائي * ( الْحَكيمُ ) * الذي لا يفعل فعلاً إلا وفيه حكمة ومصلحة فلا يأمرني إلا بما فيه صلاحي . روي أنه عليه السلام هاجر من كوثى من سواد الكوفة مع لوطاً وسارة ابنة عمه إلى حران ، ثم منها إلى الشام فنزل قرية من أرض فلسطين ، ونزل لوط سذوم وهي المؤتفكة على مسيرة يوم وليلة من قرية إبراهيم عليهما السلام ، وكان عمره إذ ذاك على ما في " الكشاف " و " البحر " خمساً وسبعين سنة ، وهو أول من هاجر في الله تعالى : * ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والْكِتَاب وَأتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِى الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى لاَْخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) * * ( وَوَهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ) * ولداً ونافلة حين أيس من عجوز عاقر ، والجملة معطوفة على ما قبل ولا حاجة إلى عطفها على مقدر كأصلحنا أمره ، ولم يذكر سبحانه إسماعيل عليه السلام ، قيل لأن المقام مقام الامتنان وذكر الإحسان وذلك بإسحاق ويعقوب لما أشرنا إليه بخلاف إسماعيل ، وقيل لأنه لا يناسب ذكره ههنا لأنه ابتلى بفراقه ووضعه بمكة مع أمه دون أنيس ، وقال الزمخشري : إنه عليه السلام ذكر ضمناً وتلويحاً بقوله تعالى : * ( وَجَعَلْنَا في ذُرِّيَّته النُّبُوَّةَ والْكتَابَ ) * ولم يصرح به لشهرة أمره وعلو قدره ، هذا مع أن المخاطب نبينا صلى الله عليه وسلم وهو من أولاده وأعلم به ، والمراد بالكتاب جنسه المتناول للكتب الأربعة * ( وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ ) * على ما عمل لنا * ( في الدُّنْيَا ) * قال مجاهد : بأنجائه من النار ومن الملك الجبار والثناء الحسن عليه بحيث يتولاه كل أمة ، وضم إلى ذلك ابن جريج الولد الذي قرت به عينه . وقد يضم إلى ذلك أيضاً استمرار النبوة في ذريته ، وقال السادي : إن ذلك إراءته عليه السلام مكانه من الجنة ، وقال بعضهم : هو التوفيق لعمل الآخرة ، وقيل : هو الصلاة عليه إلى آخر الدهر ، وقال الماوردي :